حسن بن عبد الله السيرافي
84
شرح كتاب سيبويه
يا كعب صبرا على ما كان من حدث * يا كعب لم يبق منا غير أجلاد إلا بقيات أنفاس تحشرجها * كراحل رائح أو باكر غادي " 1 " فإن ( غيرا ) هاهنا بمنزلة ( مثل ) كأنك قلت : لم يبق منا مثل أجساد إلا بقيات أنفاس . وعلى هذا أنشد بعض الناس هذا البيت رفعا للفرزدق : ما بالمدينة دار غير واحدة * دار الخليفة إلا دار مروانا " 2 " جعلوا ( غير ) صفة بمنزلة : ( مثل ) . ومن جعله بمنزلة الاستثناء لم يكن بدّ من أن ينصب أحدهما وهو قول ابن أبي إسحاق . وأما : إلا زيد فإنه لا يكون بمنزلة ( مثل ) إلا صفة . ولو قلت : ما أتاني إلا زيد إلا أبو عبد اللّه كان جيدا . إذا كان عبد اللّه زيدا ولم يكن غيره ؛ لأن هذا يكرر توكيدا كقوله : رأيت زيدا زيدا . وقد يجوز أن تقول : رأيت غير زيد على الغلط والنسيان كما يجوز أن تقول : رأيت زيدا عمرا ؛ لأنه إنما أراد عمرا فنسي فتدارك . ومثل : ما أتاني إلا زيد إلا أبو عبد اللّه . إذا أردت أن تبين وتوضح قوله : مالك من شيخك إلا عمله * إلا رسيمه وإلا رمله " 3 " قال أبو سعيد : الاسمان المستثنيان وإن اختلف إعرابهما فهما مشتركان في معنى الاستثناء . وإنما رفع أحدهما ونصب الآخر على ما يوجهه تصحيح اللفظ . فإذا قلت : ( ما أتاني إلا زيد إلا عمرا ) فلا بد من رفع أحد الاسمين ؛ لأن الفعل المنفي لا فاعل له ، فلا بد من رفع أحد الاسمين بعد ( إلا ) فاعلا له . فإذا جعلنا المرفوع ( زيدا ) وبعده ( إلا عمرو ) لم يجز رفع ( عمرو ) لأن المرفوع بعد ( إلا ) إنما يرفع على أحد وجهين : إما أن يرفع إذا فرغ له الفعل الذي قبل ( إلا ) أو يجعل بدلا من المرفوع الذي قبله . وليس في ( عمرو ) وجه من وجهي الرفع ؛ لأن الفعل قد ارتفع به ( زيد ) وفرغ له ولا اسم قبله يبدل منه . ولا يجوز أن يكون بدلا من ( زيد ) لأن ( عمرا ) لا يكون بدلا من ( زيد ) لأنه
--> ( 1 ) الأبيات في الأغاني 21 / 31 . ( 2 ) لم أعثر عليه في ديوانه ، وهو في المقتضب 4 / 425 . ( 3 ) البيت في الأشموني 2 / 151 ، والهمع 1 / 227 ، والتصريح 1 / 356 .